السوق المشتركة.. أولى خطوات نهوض الأمة

 
من أبرز الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام الادعاء بأن تعاليم الإسلام ومبادئه وراء تفكك المسلمين وخلافاتهم، والزعم بأن تلك التعاليم تحول دون استفادتهم من الثروات الضخمة التي يمتلكونها، ودليلهم على ذلك عجز المسلمين عن إقامة تجمع اقتصادي على غرار ما يشهده العالم من تجمعات وتكتلات.
والحقيقة أن تعاليم الإسلام بريئة تماما من تفكك المسلمين، وخلافاتهم، وضعفهم، وأن تلك التعاليم أعظم ضمان لاستعادة وحدة الأمة، وتحقيق تضامنها وقوتها.
إن أمتنا تمتلك أسباب قوتها وتقدمها إذا هي أحسنت استغلالها، والإفادة منها، ولا شك في أن التكامل الاقتصادي أول الطريق لوحدة الأمة، قال تعالى: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»… (سورة الأنبياء: 92).
يقول الدكتور يوسف إبراهيم المدير السابق لمركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر  في دراسة مهمة بعنوان «التكامل الاقتصادي والسوق الإسلامية المشتركة»: «إن التكتلات الاقتصادية تكاد تغطي معظم أقطار الأرض من أوروبا إلى أمريكا الشمالية إلى أمريكا الجنوبية، بل إن بعض هذه التكتلات تحاول أن تتكامل مع بعضها البعض».
ويلفت إلى أن المنطقة الإسلامية تمتلك من الطاقة ما ينهض بها إذا أحسن استغلالها، وتمتلك من موارد الثروة الطبيعية ما لا يملكه كثير من دول العالم، وبها كوادر بشرية راقية يشهد لها العالم الخارجي عندما تنتقل إليه وتعمل فيه، وبها الدين الإسلامي الذي يدعو إلى العمل، ويجعله معيار الصلاح والتفاضل بين الناس، ولكن واقعها يشهد بعدم استغلال معظمها لمواردها، الأمر الذي يدفعها إلى مؤخرة الدول.
تساؤلات مشروعة
ويضيف: «إن العالم الإسلامي لم يتمكن حتى اليوم من إنشاء تكتل اقتصادي يسمح بانسياب التجارة بين دوله وفق قواعد تحقق مصلحة الجميع، كما لم يتمكن من وضع العامل الإسلامي ضمن عوامل القرار الدولي في المسائل الاقتصادية، ولن يتمكن بالتالي من مواجهة ضغوط النظام العالمي الجديد».
ويقول: «لقد حاولت الدول الإسلامية أن تقيم تجمعًا اقتصاديًا، وأنشأت منظمة التعاون الإسلامي عدداً من الأجهزة والمؤسسات لتحفيز التجارة البينية، وتحقيق تنمية العالم الإسلامي، تطبيقاً لقرارات مؤتمرات القمة الإسلامية، وقد أوصى مجلس محافظي البنوك المركزية بإطلاق المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، هادفاً إلى زيادة التجارة البينية بين الدول الإسلامية أعضاء البنك الإسلامي للتنمية وعددها 56 دولة، كما أنشئ المركز الإسلامي لتنمية التجارة البينية الإسلامية، وهو المكلف بتنشيط المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء».
ويطرح الدكتور يوسف عدداً مهماً من التساؤلات: ماذا تملك الدول الإسلامية؟ هل لديها الإرادة اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي ومن مراحله السوق الإسلامية المشتركة؟
كيف تدرك هذه المجموعة حاجتها إلى الانضواء تحت تكتل يجمعها وسوق مشتركة تضمها؟ وكيف تحيل هذا الإدراك إلى واقع ملموس يحميها، ويحفظ لها مكانتها بين شعوب الأرض؟ وما الذي يمثله هذا التجمع لها؟ وما الفوائد المباشرة وغير المباشرة التي تعود على أعضائها من هذا التكتل؟ وما الصور التي يتحقق بها هذا الوضع المأمول؟ 
الأخوة الإسلامية
ويقول: «إن الإسلام عندما يقدم لنا منهجه لعمارة الأرض يجعل من الأخوة الإسلامية منطلقاً ارتكازياً يجب تحقيقه، وهو يتمثل في ضرورة انضواء المسلمين تحت راية تظللهم وتجمع شملهم، ويحققون من خلالها ما وعدهم الله تعالى به من تمكين لهم وإعزاز لشأنهم. وأدنى مظاهر الأخوة ومظهرها الاقتصادي هو التكامل الاقتصادي؛ فهو الذي يحقق الكثير من الشروط الموضوعية التي لا بد منها لابتداء التنمية وانطلاقها ثم وصولها إلى أهدافها».
ويلفت إلى أن الإسلام يؤمن بأهمية العقل البشري الذي جعله الله تعالى مناط التكليف والمحاسبة في الدنيا والآخرة، وهو بالتالي يؤمن بإعطائه الحرية المطلقة في اختيار ما يحدد هويته، والسبيل الذي يبذل فيه جهوده.
إن الإنسان  ومناط تكليفه العقل  قد اختاره الله تعالى لحمل الأمانة، وسيحاسبه على هذه الأمانة بصفته الفردية، قال تعالى: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا»… (سورة مريم: 95).
ويشدد على أن مقتضى هذه المسؤولية والمحاسبة الفردية عليها، أن يتمتع الإنسان بالحرية ليحدد لنفسه انتماءها.
ومن هذا المنطلق ينظر الإسلام إلى كل الأفكار التي يتجمع الناس حولها في القديم والحديث، فما يوافق احترام العقل يقره، وما لم يوافق ذلك يشجبه.
عندما شجب الإسلام الأسس المادية التي يتجمع حولها البشر، امتهاناً منهم للعقل وضرباً في متاهات الجهل، فإنه بنى وحدة جديدة على أسس عقلية مغايرة، تحترم العقل وتعطيه حقه في الاختيار، تمهيداً لتحمل المسؤولية وتلقي الجزاء.
فرضية الوحدة
يقول الله تعالى: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا»… (سورة آل عمران: 103).
فالأمر بالوحدة والنهي عن الفرقة في هذه الآية جاءا ببيان واضح لا يبقي أدنى شبهة لمجادل في فرضية الوحدة.
ويشير الدكتور يوسف إلى أن الله تعالى فرض على المسلمين أن يعتصموا بحبل الله، وأن يقيموا الوحدة بينهم، أما شكل الوحدة فإن الإسلام لا يهتم كثيرا بالشكليات ما لم تخفِ وراءها مضمونا يمنعه الإسلام.




Source link

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الوطن | المحافظات | محافظ أسيوط: إنشاء موقف لسيارات النقل الداخلي بمنطقة المعلمين

الأخبار المتعلقة أعلن اللواء جمال نور الدين محافظ أسيوط، عن إعادة هيكلة ...