الإحسان إلى الجيران من علامات الإيمان

اهتم الإسلام كثيراً بتوثيق العلاقات الإنسانية والأخلاقية بين أفراد المجتمع، لتستقيم العلاقة بين الجميع، ويرقى أسلوب التعامل بما يحقق المصلحة العامة للمجتمع.
وأبرز من اهتم الإسلام بتوثيق العلاقة بينهم «الجيران»، فالإنسان لا يعيش في جزيرة منعزلة بل يعيش وسط ناس، وكلما توثقت علاقته بهم وعرف حقوقهم عليه وحقوقه عليهم، وكلما كان هناك «ميثاق أخلاقي للتعامل» ارتقت هذه العلاقة وتطورت حتى درجة الإحسان، وهي درجة تفوق كثيرا درجة الاعتراف بالحقوق والوفاء بها.
يقول د. داود الباز، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: الإسلام أوصى بالجار وارتقى بأسلوب التعامل معه، وألزم كل مسلم بآداب وأخلاقيات وهو يتعامل مع جاره ويفي بحقوقه، وقد جاءت وصايا القرآن بالجار القريب والجار البعيد في أكثر من آية، منها قوله تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً».. فالله – سبحانه وتعالى – يقرن وجوب الإحسان إلى الجار القريب والجار البعيد بوجوب عبادته، وعدم الشرك به ووجوب الإحسان إلى الوالدين.

القرآن يأمر

ويضيف: الآية الكريمة تأمر بالإحسان إلى الجار ذي القربى، وهو الجار القريب، والذي له حق الجوار وحق القرابة، كما وصت بالجار الجنب وهو الجار الأجنبي الذي لا قرابة بينك وبينه وكذلك أوصت بالصاحب بالجنب، وهو كما قال ابن عباس رضي الله عنهما الرفيق في السفر، وقال الزمخشري: هو الذي صحبك إما رفيقاً في سفر، أو جاراً ملاصقاً، أو شريكاً في تعلم علم، أو قاعداً إلى جنبك في مجلس». والوصية بالجار نزل بها جبريل – عليه السلام – على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكثر من مرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
ويوصي الرسول صلى الله عليه وسلم بالجار في العديد من توجيهاته ووصاياه، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به) وقوله صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره).

إحسان وبر بالجميع

والإسلام لا يفرق في كفالة حقوق الجار وضرورة الإحسان إليه بين الجار المسلم والجار غير المسلم، فقد كان رسول الله يحسن إلى الجار اليهودي والنصراني كما كان يفعل مع الجار المسلم، وهو – صلى الله عليه وسلم – القائل: (الجيران ثلاثة: جار له حق وهو أدنى الجيران، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فالجار ذو الرحم له حق الرحم، وحق الإسلام وحق الجوار، وأدنى حق الجوار ألا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها).
ما أجمل وما أرقى هذه المشاعر التي ترسخ أدب التعامل مع الجار بصرف النظر عن هويته الدينية؟ وهذا السلوك من المسلم تجاه جاره غير المسلم يكشف عن جانب مهم من جوانب عظمة الشريعة الإسلامية وتميزها وهو تسامحها وحرصها على توثيق الصلات الاجتماعية والإنسانية بين المسلمين وغير المسلمين الذين يشتركون في وطن واحد، حيث حثت المسلم على مشاركة المسلم لجاره غير المسلم في المناسبات الاجتماعية وتهنئته بأعياده.
وقد جعل الرسول إكرام الجار لجاره دلالة على الإيمان بالله وباليوم الآخر، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»، كما جعل من دلائل الإيمان وكماله أن يأمن الجار بوائق جاره أي غوائله وشروره، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه».
وقد جعل الإسلام للجار الحق في الشفعة إذا أراد جاره بيع ملكه، وهذا مظهر مهم من مظاهر رعاية الإسلام لواجب الجار نحو جاره، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام «الجار أحق بسقبه»، (والسقب هو القرب) أي أنه أحق من غيره لقربه من جاره، أو أنه أحق من غيره بما يقرب من ملكه.

حقوق كثيرة

يقول د. بكر زكي عوض، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالأزهر الشريف: إن الإساءة إلى الجار وعدم الوفاء بحقوقه من الأمور التي تحبط عمل الإنسان، فالإسلام دين عبادة ورقي سلوك، والسلوك غير السوي يفسد على الإنسان عبادته، ولذلك لما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار».
لذلك كان من حقوق الجوار عدم الاكتفاء باحتمال أذى الجار، بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف للجار.
ويشير د. عوض إلى أن للجار حقوقاً كثيرة، فعلى المسلم أن يبدأ جاره بالسلام، وأن يكثر من السؤال عن حاله والتتبع لأخباره، وعليه أن يعود جاره إذا مرض، وأن يعزيه إذا كان مصابا، ويهنئه إذا فرح، ويستر زلاته، ولا يتطلع إلى عوراته، ولا يضيق طريقه إلى الدار، ولا يتطلع إلى ما يحمله إلى داره من طعام وشراب وغيرهما، ويرشده إلى ما يجهله من أمور دينه ودنياه.. ولذلك كان من وصايا الرسول بالجار: «وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته، وإن مات تبعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وألا تستعلي عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحمه الله».
ومن هنا كان المسلم مطالبا ببر جاره والإحسان إليه وليس مجرد كف الأذى عنه، فالإحسان إلى الجار والبر به حتى لو كان سيئاً يجلب للإنسان رضا الله وجزيل ثوابه.

العفو والتسامح

الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية، يحمل شعار «العفو والتسامح» مع الجار، ويؤكد ضرورة أن يكون هذا شعار كل مسلم وخلقه في التعامل مع الآخرين، ويقول لكل جار يشكو أذى جاره: تذكر دائما قول الحق سبحانه: «وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين».. مؤكداً أن المبادرة بالعفو والسماح سمة من سمات المسلم المتمسك بتعاليم دينه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – الذي قال: «وخيركم من يبدأ بالسلام».
ويؤكد الشيخ عاشور ضرورة أن يكون الجار حسن الظن بجاره، وأن يبعد التفسير الخاطئ لكل ما يصدر منه، من أقوال أو أفعال، مشيرا إلى أن تهيئة النفس وتدريبها على فهم أساليب وتصرفات الآخرين عامل مهم ومساعد للسيطرة والتحكم، في ردة الفعل تجاه ما يصدر من الآخرين.
وينصح بإغلاق باب الشائعات أمام هواة نقل الكلام، وعدم التسرع في نقل ما يسمع حتى لا تتوتر العلاقة بين الجيران، وذلك مصداقا لقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين».
كما يحث على تعاون الجيران على البر والتقوى، كما ورد في قوله تعالى «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب»، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه متعددة، فواجب العالم أن يساعد جاره بعلمه، والغني يساعد بماله، والشجاع بقوته، وأن يكون الجيران كاليد الواحدة والجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ويضيف الشيخ عاشور: إن ما نراه اليوم من تصاعد الخلافات بين الجيران في العديد من البلاد العربية ومن تلصص وتجسس بعض الجيران على بعض، ومن حقد الفقير على الغني، ومن إهدار لحقوق الجار حتى لو كانت بسيطة وشكلية، يعد مظهراً من مظاهر التمرد والعصيان لتعاليم ومبادئ وأخلاقيات الإسلام الأمر الذي يؤكد حاجة مجتمعاتنا إلى نشر ثقافة حسن الجوار، فديننا أمرنا باحترام حقوق الجيران وتقديم كل معروف إليهم يستوي في ذلك القريب منهم والغريب.




Source link

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الوطن | المحافظات | ضبط 15 تمثالا و111 قطعة عملة رومانية بمنزل عاطل في أسيوط

الأخبار المتعلقة تمكن ضباط شرطة مباحث الآثار بمحافظة أسيوط، اليوم، من ضبط ...