«بعثت بجوامع الكلم»

اختار الله- عز وجل رسوله الخاتم- صلى الله عليه وسلم- لرسالته، التي تتخطى حدود الزمان والمكان، وتخاطب الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وتفاوتهم في درجة الفهم والقبول والرد، وأعده إعداداً خاصاً يمكنه من أداء رسالته، فهيأ له كل مقومات الفصاحة، وأمده بأسباب البيان، وأطلعه من الغيب على ما لم يُطلع عليه غيره، فجمع أدق وأرق، وأعمق المعاني، وأعظمها خطراً في أفصح الأساليب البشرية على الإطلاق.
المتأمل في بلاغة الرسول- صلى الله عليه وسلم- سيتوقف طويلاً أمام عظمة الأسلوب، الذي خاطب به أمته في مختلف الأحوال والقضايا.
لقد جاءت أحاديثه- صلى الله عليه وسلم- متفردة في سماتها البلاغية، كما جاءت متميزة ببساطتها وسهولتها وعمقها الدلالي والتأثيري في المسلمين في الوقت نفسه.
وهذا ليس أمراً غريباً على رسول الله، الذي وصفه الله- تعالى- بقوله: (وما ينطق عن الهوى)، الأمر الذي يعني أن كل ما ينطقه الرسول- صلى الله عليه وسلم- مؤيد من الوحي، ومن ثم هو كلام يتميز بالفصاحة والبلاغة، والوضوح، والإيجاز، إضافة إلى أنه يفيض بالمعاني والدلالات والنصائح، التي لا يستغني عنها المسلم طوال حياته حتى تقوم الساعة؛ ولذا لم يكن غريباً أن يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن نفسه، فيما روى أبو هريرة رضي الله عنه: (بُعثت بجوامع الكلم)، وفي حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إني أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه»، وهذا يعني أنه- صلى الله عليه وسلم- يأتي الكثير من الأحكام والمعاني في كلمات قليلة.

«لا تغضب»

ها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يجيب الصحابي، الذي سأله النصيحة قائلاً:
(لا تغضب).. إنهما كلمتان فقط في العدد، ولكنهما يتسعان لمعان عديدة تحتاج مساحات واسعة لشرحها، ويكفي أن الطب الحديث كشف عن الكثير من الأمراض الخطرة، التي تصيب الإنسان؛ بسبب الغضب.
وقال- صلى الله عليه وسلم- لمن طلب منه أن يقول قولاً فصلاً في الدين خمس كلمات جامعة هي (قل آمنت بالله ثم استقم)، فما أعظمه قولاً يدعو إلى الإيمان بالله، ومقتضى هذا التزام أحكامه وطاعته وطاعة رسوله، وتنفيذ شرعه، صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وحسن معاملة مع الناس، ثم تأتي بعد ذلك الاستقامة أي المداومة على هذا السلوك.
إن بلاغة الرسول- صلى الله عليه وسلم- تعني في أحد أوجهها الكلمات القليلة ذات المعاني الكثيرة فلا تكلف في الكلام، وإنما هو بسيط يناسب حال المخاطب، ويصل إلى عقله وقلبه من دون عناء؛ وذلك نتيجة الدقة في اختيار الكلمات، التي تعبر عن مراد الرسول- عليه الصلاة والسلام- إضافة إلى وضوح الفكرة، التي يرمي إليها، وكذلك سلامة الجملة وصحة العبارة.
لقد كان- صلى الله عليه وسلم- يخاطب الناس بما يفهمونه، وكان يلتزم دعوة القرآن الكريم في قوله: (قولوا للناس حُسناً)، ويحفظ التاريخ الإسلامي أن الرسول كان يتكلم مع كل قبائل العرب وأقوامهم بلهجاتهم على اختلافها، وكان يحظى باحترام كبير من الجميع؛ حيث كان دقيقاً في استخدام تلك اللهجات أيضاً، لأنه يدرك أنه يخاطب فصحاء العرب، الذين لهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة، مع عظمة المعاني التي سيكلف بتبليغها، وخاصة فيما يتعلق بالغيبيات؛ ولذلك كان لا بد من اختيار إنسان له قدرات خاصة وصفات معينة ثم تهيئته تهيئة خاصة، وإمداده بما يحقق التبليغ عن رب العزة.

مبدأ المساواة

ولنتأمل مثالاً على بلاغة الرسول- صلى الله عليه وسلم- يوم وقف يخاطب الناس في حجة الوداع قائلاً: (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).
إننا نلحظ بلاغة رسول الله في البدء بقوله (أيها الناس) ولم يقل: (أيها المؤمنون)؛ لأنه يرسي مبدأ تحتاج إليه البشرية كلها؛ يتمثل في المساواة بين جميع البشر في القيمة الإنسانية والكرامة، وينفي نفياً قاطعاً أن يكون اللون، أو الجنس سبباً في تفوق شخص على شخص أو تميز أحدهم على الآخر، فلا تمايز بالنسب أو المكانة أو الجاه أو السلطان، إنما التمايز يكون بأمر واحد هو تقوى الله.
وهذه الحقيقة أبرزها القرآن الكريم؛ لأهميتها الكبيرة في حياة الناس بقوله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» (الحجرات: ١٣)

رسالة بسيطة

الأمر نفسه تجده واضحاً في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).
وفي هذه الكلمات البسيطة يوجه- صلى الله عليه وسلم- رسالته ليس إلى المؤمنين فقط وإنما إلى جميع البشر ناصحاً كل شخص بأن يكون أميناً محافظاً على حقوق الآخرين لديه، وفاء لثقتهم به، ثم لا يتوقف عند هذا المعنى رغم قلة الكلمات، وإنما يمتد ليحذر من الخيانة، والأمر نفسه تحدث عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» (النساء: ٥٨).
وبلاغته صلى الله عليه وسلم واضحة للجميع، وقد أوقف علماء كثيرون حياتهم على دراستها واستخلاص العبر منها، وهذه البلاغة جمعت حوله الناس من كل حدب وصوب، وجعلتهم يلتصقون به ويهتدون بهديه، ويحرصون على ألا يفوتهم شيء من تعاليمه.




Source link

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

30 دقيقة تأخيرات قطارات السكة الحديد اليوم

أعلنت السكة الحديد عن التهديات والتأخيرات المتوقعة، اليوم الجمعة، على بعض ...